لن أنسى الزيارة التي ذهبت فيها مع والدي إلى أحد أصدقائه في المستشفى عقب عودته من رحلة غربة طويلة، وإصابته بصدمة عصبية بعد أن أودع كل أمواله في إحدى شركات توظيف الأموال الوهمية. لم يستوعب الرجل أن تعب وشقاء غربته ذهب هباءً مرةً واحدة، وللأسف الشديد استغرق الأمر فترة طويلة لعلاجه من صدمته. أحد معارفي قضى في الغربة نحو ثمانية أعوام، حرم نفسه فيها من كل شيء من أجل ادخار مبلغ من المال لبناء منزل كبير له ولأسرته يستقر فيه عند عودته، عقب انتهاء فترة إعارته اكتشف حزن الجميع لعودته لبلده لأنه كان مصدر التمويل الأساسي لهم، فأصيب الرجل بأزمة قلبية فارق على إثرها الحياة. مغترب ثالث لم يستطع استقدام أولاده للعيش معه نظراً لارتفاع تكاليف التعليم في بلاد الغربة، وأنفق معظم أمواله على تعليم أولاده في بلده ولكنه فوجئ عقب عودته بأن أولاده ينكرون ما فعله لهم واعتبروه أباً قاسياً استطاع أن يعيش بعيداً عنهم فترة طويلة، والمسكين كان يتحرّق شوقاً لليوم الذي يعود فيه إلى بلده للعيش معهم! أحد أصدقائي فتح لي قلبه وقال إن أحوال أسرته انهارت تماماً في الغربة لأن زوجته استقلّت مادياً ولم تعد تهتم به، وأصبحت طلبات أولاده خيالية ومبالغاً فيها ولا يرضون بالقليل كما كانوا من قبل في بلدهم الأصلي. الأدهى من هذا كله أن الجميع ينظر لك في بلدك على أنك مليونير متحرك توزع الدولارات عليهم، ولا يمكن أن ترفض لهم طلباً واحداً وإلا اتهموك على الفور بالبخل والحرص على المال، وأنك أصبحت قاسي القلب بسبب الغربة. هذه الوقائع والأحداث التي شاهدتها بنفسي جعلتني أتساءل هل فعلاً للغربة ضريبة؟ هل نربط فشلنا في قضية مالية أو أسرية بغربتنا عن بلادنا؟ هل قسوة البعض معنا يجعلنا نستسلم ونرضخ لهم حتى لو على حساب أنفسنا؟ الإجابة بالتأكيد لا، فصديق والدي لم يحسن اختيار أين يستثمر أمواله، ومن ترك أولاده وأهله لفترة طويلة لابد أن يتوقع الجفاء منهم، ومن أهمل أحوال أسرته لابد أن تنهار في يوم من الأيام، مازلت أعتقد أن كل إنسان مسؤول عن اختياراته والغربة بريئة من أخطائنا.
الثلاثاء، 15 ديسمبر 2020
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق